أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

554

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والفاعل عندهم لا يحذف ، لكنه لمّا جرى مجرى الفضلات بسبب جرّه بالحرف أو خرج عن أصل باب الفاعل ، فلذلك جاز حذفه ، على أنّ أبا الحسن الأخفش ذكر في « المسائل » أنهم قالوا : « قاموا أنفسهم » من غير تأكيد . وفائدة التوكيد هنا أن يباشرن التربّص هنّ ، لا أنّ غيرهنّ يباشرنهنّ التربّص ، ليكون ذلك أبلغ في المراد . والقروء : جمع كثرة ، ومن ثلاثة إلى عشرة يميّز بجموع القلة ولا يعدل عن القلة إلى ذلك إلا عند عدم استعمال جمع قلة غالبا ، وههنا فلفظ جمع القلة موجود وهو « أقراء » ، فما الحكمة بالإتيان بجمع الكثرة مع وجود جمع القلة ؟ . فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه لمّا جمع المطلقات جمع القروء ، لأنّ كلّ مطلقة تتربّص ثلاثة أقراء فصارت كثيرة بهذا الاعتبار . الثاني : أنه من باب الاتساع ووضع أحد الجمعين موضع الآخر . والثالث : أنّ قروءا جمع قرء بفتح القاف ، فلو جاء على « أقراء » لجاء على غير القياس لأنّ أفعالا لا يطّرد في فعل بفتح الفاء . والرابع - وهو مذهب المبرد - : أنّ التقدير « ثلاثة من قروء » ، فحذف « من » . وأجاز : ثلاثة حمير وثلاثة كلاب ، أي : من حمير ومن كلاب . وقال أبو البقاء : « وقيل : التقدير ثلاثة أقراء من قروء » وهذا هو مذهب المبرد بعينه ، وإنما فسّر معناه وأوضحه . والقرء في اللغة قيل : أصله الوقت المعتاد تردّده ، ومنه : قرء النجم لوقت طلوعه وأفوله ، يقال : « أقرأ النجم » أي : طلع أو أفل . ومنه قيل لوقت هبوب الريح : قرؤها وقارئها ، قال الشاعر : 975 - شنئت العقر عقر بني شليل * إذا هبّت لقارئها الرّياح « 1 » أي : لوقتها ، وقيل : أصله الخروج من طهر إلى حيض أو عكسه ، وقيل : هو من قولهم : قريت الماء في الحوض أي : جمعته ، وهو غلط لأنّ هذا من ذوات الياء والقرء مهموز . وإذا تقرّر ما ذكرت لك فاعلم أنّ أهل العلم اختلفوا في إطلاقه على الحيض والطّهر : هل هو من باب الاشتراك اللفظي ، ويكون من الأضداد أو من الاشتراك المعنوي فيكون من المتواطئ ، كما إذا أخذنا القدر المشترك : إمّا الاجتماع وإمّا الوقت وإمّا الخروج ونحو ذلك . وقرء المرأة لوقت حيضها وطهرها ، ويقال فيهما : أقرأت المرأة أي : حاضت أو طهرت . وقال الأخفش : أقرأت أي : صارت ذات حيض ، وقرأت بغير ألف أي : حاضت . وقيل : القرء : الحيض مع الطهر ، وقيل : ما بين الحيضتين . وقيل : أصله الجمع ، ومنه : قرأت الماء في الحوض : جمعته ، ومنه : قرأ القرآن ، وقولهم : ما أقرأت هذه الناقة في بطنها سلاقط ، أي : لم تجمع فيه جنينا ، ومنه قول عمرو بن كلثوم . 976 - ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللّون لم تقرأ جنينا « 2 »

--> ( 1 ) البيت لمالك بن الحارث انظر ديوان الهذليين ( 3 / 83 ) ، الطبري ( 4 / 511 ) ، الأضداد ( 28 ) . ( 2 ) من معلقته المشهورة .